-->
وكالة العاجل نيوز _ALaejil News  وكالة العاجل نيوز _ALaejil News
اخبار

آخر الأخبار

اخبار
اخبار
جاري التحميل ...
اخبار

الذكاء الاصطناعي في غرفة الأخبار


الكاتب: طه جزاع 

 لم تكن الصحافة الورقية، في أي مرحلة من تاريخها، مهنةً سهلة أو طريقاً معبّداً بالطمأنينةفمنذ نشأتها، وهي تعيش على حافة التحوّل، وتكتب وهي تشعر بأن الزمن يراقبها بعينٍ فاحصة. غير أن ما تواجهه اليوم، في عصر الرقمنة المتسارعة والذكاء الاصطناعي القادر على إنتاج المحتوى، ليس مجرد أزمة توزيع أو تراجع إعلان، بل سؤال وجودي عميق: هل ما زال للورق مكانٌ في عالم تحكمه الشاشة والخوارزمية؟  لقد كانت الصحافة الورقية، على الدوام، أكثر من وسيلة نقل خبر. كانت ذاكرةً يومية للمجتمع، وسجلاً لتقلباته، ومجالاً للتأمل والتحليل واللغة المصقولة. كان الصحفي يكتب وهو يعرف أن نصه سيُقرأ ببطء، وأن القارئ سيحتفظ بالجريدة، أو يطويها، أو يعود إليها بعد أيام. هذا الإيقاع البطيء هو ما منح الصحافة الورقية عمقها وهيبتها، وجعلها أقرب إلى الشهادة التاريخية منها إلى الاستهلاك السريع.

اليوم، يقف هذا النموذج في مواجهة إعلام رقمي لا يعترف بالبطء، ولا ينتظر اكتمال الفكرة. فالمحتوى يُقاس بعدد النقرات، والعناوين تُصاغ لإثارة الخوارزميات قبل إثارة العقل، والصحفي يُدفع أحياناً ليكون منتج محتوى لا شاهداً أو محللاً. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى غرفة الأخبار، بات التحدي أكثر تعقيداً. فبرامج قادرة على كتابة خبرٍ اقتصادي خلال ثوانٍ، أو تلخيص مؤتمر صحفي كامل في فقرة، أو حتى توليد مقال متماسك لغوياً، تفرض سؤالاً قاسياً، ما الذي سيبقى للصحفي الإنسان، والمهنة تواجه سؤال الوجود؟.
إن أوجه هذا التحدي متعددة. أولها السرعة، حيث لا تستطيع الصحافة الورقية مجاراة التدفق اللحظي للأخبار العاجلة على المنصات الرقمية. وثانيها الاقتصاد، إذ بات الإعلان يفضّل المنصات القابلة للقياس الرقمي الفوري. وثالثها المحتوى المُولَّد آلياً، الذي يزاحم النص البشري في الأخبار البسيطة والتقارير النمطية، مهدداً بتحويل الصحافة إلى عملية تقنية خالصة. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في الاستسلام لفكرته بوصفه بديلاً كاملاً للإنسان. فالآلة تستطيع أن تكتب، لكنها لا تشهد، تُحلل البيانات، لكنها لا تعيش الألم، تُحاكي الأسلوب، لكنها لا تمتلك ذاكرة شخصية ولا موقفاً أخلاقياً. وهنا تكمن فرصة الصحافة الورقية، لا نهايتها. فمستقبل الورق ليس في منافسة السرعة، بل في تعميق المعنى، وفي التحقيق المعمّق، والمقال التحليلي، والسرد الصحفي الذي يمنح الحدث سياقه الإنساني والتاريخي، وفي أن تكون الصحافة الورقية مساحة للتفكير، لا سباقاً مع الزمن. وحين تدرك ذلك، لن تكون ضحية العصر الرقمي، بل ضميره البطيء، الضروري، والعاقل. 
وتبقى الصحافة الورقية ما بقي الإنسان محتاجاً إلى معنى لا إلى المعلومة فقط، وإلى قراءة تُنقذ الخبر من الاستهلاك العابر. قد يتغير شكلها وتقل مساحتها، وتتقلص أرقام توزيعها لكنها لن تختفي، لأنها تمثل الذاكرة البطيئة التي لا تستطيع الخوارزميات أن تحلّ محلها.

التعليقات
0 التعليقات

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

وكالة العاجل نيوز _ALaejil News

2017

تصميم بلال العاني