معركة تفكيك "الدولة الموازية".. بعد ضرب "القاصات"، هل تنجح الحكومة في تجفيف "الاقتصاديات"؟
د. حسن جمعة
في دهاليز السياسة العراقية، يعرف الجميع أن إدارة المال والنفوذ لا تتم دائمًا عبر القنوات الرسمية للدولة.
هناك مصطلحان يختصران أزمة بناء الدولة وتعطيل التنمية: "القاصات" و"الاقتصاديات"
"القاصات" (بالمفهوم الشعبي والسياسي الدارج): هي الشخوص والواجهات التنفيذية العميقة—من وكلاء وزارات، ومدراء عامين، وشخصيات سياسية ونيابية مؤثرة—الذين يتربعون على عرش منابع المال (كالنفط، والتجارة، والمنافذ) ويتحكمون بالمليارات.
"الاقتصاديات" (اللجان الاقتصادية للأحزاب والكتل): هي الماكنة الحزبية الخلفية التي تتغذى على تلك القاصات، وتمول الأنشطة الحزبية، والمؤسسات الإعلامية، والولاءات السياسية على حساب خزينة الدولة.
المعادلة واضحة وصريحة: لن تستقيم الدولة، ولن يشعر المواطن بوجود قانون حقيقي، إلا بالقضاء التام على الطرفين؛ فلا القاصات يجب أن تبقى، ولا الاقتصاديات مسموح لها أن تستمر.
المرحلة الأولى: ضرب "القاصات" وتحجيم الواجهات
شهدت الفترة الماضية تحركًا حكوميًا ملحوظًا ركزت فيه الدولة جهدها على تفكيك "القاصات البشرية". تم فتح ملفات فساد كبرى، وإجراء تغييرات وإعفاءات واسعة لمدراء عامين ووكلاء وزارات كانوا يُعتبرون "خطوطًا حمراء"، فضلًا عن ملاحقة شخصيات نيابية وسياسية بارزة رفعت عنها الحصانة أو أُحيلت ملفاتها إلى القضاء.
هذه الخطوة، على أهميتها وقوتها، كانت بمثابة ضرب "الأغصان"؛ فالقاصات في النهاية ما هي إلا أدوات تنفيذية لجهات أكبر تحركها.
المرحلة الثانية: التحدي الأكبر.. تجفيف "الاقتصاديات"
اليوم، يقف العراق أمام المنعطف الأخطر والأكثر حسمًا. فبعد تجميد أو ضرب العديد من "القاصات"، بات من الضروري الانتقال فورًا إلى الهدف الأساسي: "اللجان الاقتصادية للأحزاب".
تفكيك الاقتصاديات يعني:
قطع حبل الوريد: منع التدخل الحزبي في العقود والمناقصات الحكومية الكبرى.
أتمتة النظام المالي: تحويل التعاملات إلى النظام الرقمي (الأتمنة) في الجمارك والضرائب والمنافذ لإنهاء الابتزاز الحزبي.
تحرير القرار الاستثماري: حماية المستثمرين والشركات العالمية من "نسب الشراكة" الإجبارية التي تفرضها اقتصاديات الكتل لتمويل نشاطاتها.
مربط الفرس: إن بقاء "الاقتصاديات" قوية يعني ببساطة أنها قادرة على تفريخ "قاصات جديدة" بديلة عن التي تمت الإطاحة بها. لذلك، ضرب المنظومة التمويلية للحزبية الضيقة هو الضمان الوحيد لتمشي الدولة "عدل".
لا خيار سوى كسر الحلقة المفرغة
إن معركة إنهاء "القاصات والاقتصاديات" ليست معركة سياسية عابرة، بل هي معركة وجود للدولة العراقية. المرحلة الأولى أثبتت أن القانون يمكن أن يطال الرؤوس الكبيرة، لكن النجاح الحقيقي يُقاس بمدى قدرة الحكومة اليوم على الدخول إلى "عش الدبابير" وتجفيف منابع تمويل الكتل والمحاصصة.
بدون إغلاق ملف "الاقتصاديات" نهائيًا، ستبقى الإصلاحات مؤقتة. لقد حان وقت الحسم الشامل لبناء دولة المؤسسات، حيث تذهب أموال النفط والثروات إلى الموازنة العامة والمشاريع الخدمية، وليس إلى جيوب الواجهات وخزائن الأحزاب.


0 التعليقات