-->
وكالة العاجل نيوز _ALaejil News  وكالة العاجل نيوز _ALaejil News
اخبار

آخر الأخبار

اخبار
اخبار
جاري التحميل ...
اخبار

حوت جديد يطفو على بحر النفط العراقي


حوت جديد يطفو على بحر النفط العراقي

د. سلام قاسم
في العراق، لا تنضب المفاجآت كما لا تنضب آبار النفط. فكلما ظن المواطن أن ملف الفساد بلغ مداه، خرجت قضية جديدة لتؤكد أن بعض المسؤولين يمتلكون قدرة خارقة على تحويل المناصب العامة إلى مشاريع استثمارية خاصة.
ومؤخراً، تصدّر اسم عدنان محمد حمود الجميلي، وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية، عناوين الأخبار بعد إعلان الجهات المختصة توقيفه على خلفية اتهامات تتعلق بالفساد والابتزاز المالي والإداري، في قضية ما زالت قيد التحقيق أمام القضاء العراقي.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن التحقيقات كشفت عن أموال وعقارات وممتلكات ضخمة نُسبت إلى المتهم، الأمر الذي أثار موجة واسعة من التساؤلات حول كيفية تراكم هذه الثروات خلال سنوات قليلة، وحول الجهات التي كانت توفر الحماية والغطاء لمثل هذه الشبكات داخل مؤسسات الدولة.
ولم تعد القضية، وفقاً للتطورات الأخيرة، محصورة في شخص واحد، بل أخذت أبعاداً سياسية وإدارية أوسع. فقد شهد فجر اليوم تنفيذ حملة أمنية واسعة أسفرت عن توقيف عدد من المسؤولين والشخصيات المؤثرة، بينهم نواب ووزراء سابقون ومستشارون، استناداً إلى ما تضمنته اعترافات عدنان الجميلي، بحسب ما أعلنته الجهات المختصة، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة للكشف عن المزيد من المتورطين، وإحالة الملفات إلى القضاء لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.
إذا ثبتت هذه الوقائع أمام القضاء، فإن العراق سيكون أمام واحدة من أكبر قضايا الفساد منذ عام 2003، ليس بسبب حجم الأموال أو العقارات المكتشفة فحسب، وإنما لأن التحقيقات بدأت تنتقل من محاسبة الأشخاص إلى تفكيك شبكات النفوذ التي يُشتبه بأنها أدارت منظومات الفساد داخل مؤسسات الدولة، وهي خطوة طالما طالب بها العراقيون الذين فقدوا الثقة بحملات مكافحة الفساد التي كانت تنتهي غالباً عند حدود الحلقة الأضعف.
القضية، في جوهرها، لا تتعلق بعدنان الجميلي وحده، بل تفتح الباب أمام سؤال أكبر: كيف يتحول بعض الموظفين إلى أصحاب نفوذ وثروات هائلة في بلد ما زال ملايين مواطنيه يعانون من البطالة، وضعف الخدمات، وتراجع البنى التحتية؟
إن الفساد في العراق لم يعد مجرد حالات فردية، بل أصبح منظومة متكاملة تتشابك فيها المصالح السياسية والإدارية والاقتصادية. ولذلك فإن سقوط مسؤول واحد لا يعني بالضرورة انهيار المنظومة، ما لم تصل التحقيقات إلى الجهات التي صنعت هذه الشبكات، ووفرت لها الغطاء السياسي والإداري، ومكنتها من التحكم بعقود الدولة ومقدراتها.
العراقي الذي يقف في طوابير الوقود، أو ينتظر ساعات طويلة للحصول على خدمة أساسية، لا يعنيه عدد اللجان التي تُشكَّل، ولا عدد المؤتمرات التي تُعقد تحت عنوان مكافحة الفساد. ما يهمه هو أن يرى نتائج حقيقية، وأن يشعر بأن المال العام لم يعد غنيمة تتقاسمها شبكات المصالح والنفوذ.
والمفارقة المؤلمة أن العراق يُعد من أكبر الدول النفطية في العالم، ومع ذلك ما زال المواطن يبحث عن أبسط مقومات الحياة الكريمة. وبينما تُرفع الشعارات عن حماية المال العام وخدمة الشعب، تكشف بعض الملفات عن واقع مختلف تماماً، واقع تبدو فيه الثروات وكأنها تنتقل من باطن الأرض إلى حسابات مصرفية، وعقارات، وشركات، وممتلكات خاصة.
ولعل أخطر ما في هذه القضية أنها قد تمثل اختباراً حقيقياً لإرادة الدولة. فنجاحها لن يُقاس بعدد أو مكانة الأشخاص الذين يتم توقيفهم، بل بقدرة القضاء على استكمال التحقيقات حتى نهايتها، من دون تدخلات سياسية أو صفقات خلف الكواليس، وبإعادة الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة، ومحاسبة جميع المتورطين وفق القانون.
لقد تعب العراقيون من سماع عبارة "فتح ملفات الفساد"، لأنهم رأوا كثيراً من الملفات تُفتح ثم تُغلق بصمت، أو تتحول إلى أدوات لتصفية الخصوم السياسيين. أما اليوم، فإن الرأي العام ينتظر أن تتحول الاعترافات إلى أحكام قضائية عادلة، وأن تكشف التحقيقات جميع حلقات الشبكة، لا أن تقتصر على أسماء محددة.
ويبقى السؤال الذي يردده العراقيون كلما انفجرت فضيحة جديدة... هل ستكون هذه القضية بداية لتفكيك منظومة الفساد التي استنزفت ثروات البلاد طوال أكثر من عقدين، أم أنها مجرد حلقة جديدة في مسلسل طويل اعتاد الناس مشاهدة حلقاته من دون أن يروا نهايته؟
حتى ذلك الحين، سيبقى المواطن يتأمل المشهد بمرارة، مردداً العبارة التي تختصر حكاية بلد كامل: النفط للشعب في الدستور... أما على أرض الواقع، فما زالت الحيتان تتقاسم البحر، فيما يبقى المواطن يبحث عن نصيبه من ثروة وطنه.
التعليقات
0 التعليقات

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

وكالة العاجل نيوز _ALaejil News

2017

تصميم بلال العاني